في عالم دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتزايد تعقيد التهديدات غير التقليدية، لم يعد تقييم قوة الدول قائمًا على مؤشرات منفصلة مثل الحجم العسكري أو الناتج الاقتصادي فقط، بل أصبح يرتكز على مفهوم أكثر شمولًا يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـالقوة الشاملة للدولة، كما صاغه عالم السياسة جوزيف ناي. هذا المفهوم يقوم على تداخل القوة الصلبة، والقدرة المؤسسية، والانسجام الاجتماعي، بما يجعل الدولة قادرة على الصمود والتأثير في بيئتها الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة التجربة الجزائرية بوصفها نموذجًا لدولة تعمل على إعادة تشكيل بنيتها الاستراتيجية عبر مسار متكامل يجمع بين تطوير قدراتها الدفاعية، وإطلاق مشاريع اقتصادية كبرى، وتعزيز صلابتها المجتمعية، في سياق إقليمي شديد التعقيد.
يشير عالم الاجتماع إميل دوركايم إلى أن تماسك المجتمع هو الركيزة الأساسية لاستمرار الدولة، بينما يوضح روبرت بوتنام أن رأس المال الاجتماعي القائم على الثقة والتعاون يمثل عنصرًا حاسمًا في قدرة الدول على تجاوز الأزمات. ومن هذا المنظور، تبرز الجزائر كحالة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاجتماعية والتنموية في بنية واحدة مترابطة.
فالمؤسسة العسكرية الجزائرية، وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي، تمثل أحد أهم أعمدة الاستقرار الوطني، ليس فقط من زاوية الدور الدفاعي التقليدي، بل أيضًا من حيث مساهمتها في حماية السيادة الوطنية وتأمين الحدود في بيئة إقليمية تتسم باضطرابات أمنية معقدة. ويؤكد المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز أن القوة العسكرية الحقيقية لا تنفصل عن الإرادة الوطنية التي تقف خلفها، وهو ما ينسجم مع طبيعة العلاقة بين الجيش والمجتمع في الجزائر، حيث يتشكل الردع العسكري ضمن سياق اجتماعي داعم له ورافد لاستمراريته.
غير أن هذا البعد العسكري لا يمكن فصله عن البعد الاجتماعي الذي يشكل في الحالة الجزائرية عنصر قوة غير مرئي لكنه بالغ التأثير. فالتلاحم بين الشعب ومؤسسات الدولة، والقدرة على التعبئة الاجتماعية في مختلف المحطات، والارتباط العميق بالثوابت الوطنية، كلها عناصر تشكل ما يمكن وصفه بـ”الصلابة المجتمعية”، التي تعمل كآلية حماية داخلية للدولة، وتمنحها قدرة عالية على امتصاص الصدمات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي موازاة ذلك، تشهد الجزائر ديناميكية تنموية متسارعة من خلال إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى تهدف إلى إعادة تشكيل القاعدة الاقتصادية الوطنية. ويأتي في مقدمة هذه المشاريع استغلال الثروات المنجمية، وعلى رأسها مشروع غار جبيلات، الذي يُنظر إليه كرافعة مستقبلية للصناعة الثقيلة. كما يشكل الأمن المائي عبر تحلية مياه البحر وتوسيع البنية التحتية المائية أحد المحاور الاستراتيجية لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في ظل التغيرات المناخية.
وفي المجال الزراعي، تتجه الجزائر نحو تعزيز الأمن الغذائي من خلال استصلاح الأراضي وتطوير الزراعات الاستراتيجية في الجنوب، بما يهدف إلى تقليص التبعية الغذائية وتعزيز الاكتفاء الذاتي النسبي. أما في قطاع الطاقة، فتسعى الدولة إلى الحفاظ على موقعها كمصدر موثوق للطاقة، مع التوجه التدريجي نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، بما يعكس إدراكًا للتحولات العالمية في سوق الطاقة.
كما يشهد قطاع البنية التحتية تطورًا ملحوظًا من خلال توسيع شبكات النقل والسكك الحديدية وربط المناطق الداخلية بالواجهات الاقتصادية، وهو ما يعزز التكامل الوطني ويقوي البنية الاقتصادية للدولة.
وفي سياق إقليمي معقد، تتعامل الجزائر مع بيئة جيوسياسية تتسم بتعدد مصادر التهديد وتداخل الأزمات في محيطها المباشر، خاصة في منطقة الساحل وشمال إفريقيا. وتشير الأدبيات الحديثة في العلاقات الدولية إلى أن هذا النوع من البيئات يولّد ما يُعرف بـ”الضغوط المركبة”، التي تشمل التنافس الدبلوماسي، وحروب التأثير الإعلامي، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وفي هذا السياق، تعتمد الجزائر مقاربة قائمة على استقلال القرار الوطني، والحفاظ على التوازن، وتجنب الاصطفافات الحادة، مع إعطاء الأولوية للاستقرار الداخلي.
كما يمثل الإنسان الجزائري عنصرًا محوريًا في هذه المعادلة الاستراتيجية، حيث يؤكد الاقتصادي أمارتيا سن أن التنمية الحقيقية تقاس بتوسيع قدرات الإنسان لا فقط بالمؤشرات الاقتصادية. وفي الحالة الجزائرية، يشكل رأس المال البشري، من خلال التعليم العالي والكفاءات العلمية والجالية في الخارج، أحد أهم مصادر القوة المستدامة للدولة.
إن تداخل هذه العناصر—القوة العسكرية، المشاريع الاقتصادية الكبرى، التماسك الاجتماعي، والموارد البشرية—يُنتج في النهاية نموذجًا مركبًا للصلابة الوطنية، يجعل من الجزائر دولة قادرة على الاستمرار والتكيف في بيئة دولية غير مستقرة. فالقوة هنا لا تُختزل في جانب واحد، بل تتجسد في منظومة متكاملة تتفاعل فيها الدولة والمجتمع والمؤسسات ضمن ديناميكية واحدة.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن التجربة الجزائرية تعكس مسارًا لدولة تسعى إلى تحويل التحديات إلى فرص، وإلى بناء قوة استراتيجية لا تقوم فقط على الردع العسكري أو الثروة الاقتصادية، بل على تماسك داخلي عميق يشكل حجر الأساس لأي مشروع وطني طويل المدى.
Views: 6

