Homeالأخبارما وراء الصورة

ما وراء الصورة

الجزائر حين تتكلم روح التضامن

ليست الصورة دائماً ما تراه العين؛ أحياناً تكون الصورة ما يوقظ في الروح من معنى، وما يترك في الذاكرة من أثر وفي حرائق جيجل، لم تكن العدسة ترصد النار وحدها، بل كانت تلتقط مشهداً أعمق وأبقى: روح التضامن وهي تستنهض الجزائر من أقصاها إلى أقصاها.

فما إن اشتدّ لهيب المحنة، حتى انطفأت المسافات وتلاشت الجهات، وصارت الجزائر كلها على قلب واحد.

من عين البيضاء إلى تلمسان، ومن العاصمة الى تمنراست ومن الشرق إلى الغرب، لم تعد الولايات مجرد أمكنة تتباعد على خارطة، بل غدت نبضاً واحداً يستجيب لنداء واحد: أن لا يُترك أخٌ في الوطن وحيداً أمام المحنة.
هنا كانت الشاحنات تمضي محمّلة بالمؤن وهناك كانت الأيدي تهيئ ما يلزم وفي مكان آخر كانت القلوب قبل الأيادي قد وصلت.

حتى المستودعات تبدلت دلالتها لم تعد أماكن تحفظ فيها الأشياء، بل أصبحت مواطن للعطاء، وبيوتاً مفتوحة للنجدة وخلايا تنبض باسم الجزائر.

لم يسأل أحد: من أين جئت؟
ولا: إلى أي ولاية تنتمي؟
كان السؤال الأسمى: كيف نعين؟

تلك هي روح التضامن حين تبلغ ذروتها؛ أن يتحول العطاء من فعل فردي إلى وجدان جماعي وأن يصبح ألم الواحد وجعاً للجميع، وأن تتحول النجدة من مبادرة إلى ثقافة، ومن موقف عابر إلى سجية راسخة في معدن هذا الشعب.
لقد وقفت المؤسسات إلى جانب الشعب، ووقف الشعب إلى جانب المؤسسات، والتقت الإرادات في ميدان واحد ميدان الوطن.

وفي زمن تكثر فيه الصور وتقلّ أحياناً دلالاتها جاءت صور الجزائر من قلب المحنة لتقول للعالم إن هناك شعوباً لا تكشف الشدائد ضعفها بل تكشف معدنها.

والجزائريون كشفوا معدنهم.
كشفوا أن بينهم رباطاً أعمق من الجغرافيا وأن الوطن حين ينادي لا يحتاج إلى كثير من الكلام تكفي إشارة من الألم حتى تنهض فيهم غريزة النصرة.

جيجل لم تكن وحدها.

كانت وراءها الجزائر.
كانت خلفها مدن وقرى، مؤسسات وأفراد، شباب وشيوخ، نساء ورجال؛ كل واحد منهم حمل شيئاً من الوطن إلى حيث اشتدت الحاجة.
وهنا تكمن عظمة المشهد.
لم تكن الجزائر تطفئ حريقاً فحسب كانت تشعل في النفوس معنى التضامن.
وفي كل يد امتدت، وفي كل قافلة تحركت، وفي كل باب فُتح، وفي كل قلب دعا، كانت تُكتب صفحة جديدة من صفحات الوفاء لهذا الوطن.
إنها صور قد تبهت ألوانها مع الزمن، لكن معناها لن يبهت.
لأن ما حدث لم يكن مجرد تضامن عابر
كان درساً في الوطنية، ومشهداً من مشاهد اللحمة، وشهادة حيّة على أن الجزائر، حين تشتد الخطوب، لا تتجزأ… بل تتوحّد.
تلك هي الجزائر التي لم ترها النار.
وتلك هي الصورة التي بقيت بعد انقشاع الدخان:
وطنٌ واحد، وشعبٌ واحد، وروحٌ واحدة… ويدٌ واحدة حين يحتاج الوطن إلى أبنائه.
وهذه، ببساطة، هي الحكاية التي تختبئ وراء الصورة

Views: 5

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

spot_img

الاخبار الشائعة