Homeالأخبارالطارف ترسم ملامح اقتصاد أخضر بقيادة شبابية مغاربية

الطارف ترسم ملامح اقتصاد أخضر بقيادة شبابية مغاربية

في لحظة إقليمية فارقة تختزل تحولات عميقة في مقاربة قضايا التنمية، تحوّلت ولاية الطارف، أقصى شرق البلاد، إلى منصة مغاربية حية تعيد صياغة أدوار الشباب في معادلة البيئة والاقتصاد. فمن قلب هذه الولاية الحدودية، أعطى وزير الشباب المكلّف بالمجلس الأعلى للشباب، مصطفى حيداوي، صبيحة الجمعة 27 مارس 2026، إشارة الانطلاق الرسمي للتظاهرة الربيعية للشباب، عبر افتتاح اللقاء المغاربي حول البيئة والتغيرات المناخية، المنظم من 25 إلى 28 مارس تحت شعار دالّ: «شباب يبادر.. واقتصاد أخضر يُبنى».
الحدث لم يكن مجرد تظاهرة ظرفية، بل بدا أقرب إلى ورشة إقليمية مفتوحة تعكس وعيا متناميا بضرورة الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن التشخيص إلى بناء الحلول. وقد شهد حضور والي الولاية محمد مزيان، إلى جانب مسؤولين محليين وممثلين عن الهيئات الشبابية وخبراء في الشأن البيئي، فضلا عن مشاركة نوعية لشباب من تونس وليبيا وموريتانيا والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ما منح اللقاء بعدا مغاربيا حقيقيا يتجاوز الرمزية إلى الفعل التشاركي.
وفي كلمته الافتتاحية، قدّم الوزير حيداوي قراءة استراتيجية لدور الشباب في المرحلة الراهنة، مؤكدا أن الرهان البيئي لم يعد ترفا فكريا أو ملفا قطاعيا معزولا، بل أضحى تحديا سياديا يفرض إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. وشدد على أن تمكين الشباب بات توجها مؤسساتيا راسخا، يتجاوز منطق الإدماج الشكلي إلى إشراك فعلي في صناعة القرار، خصوصا في القضايا ذات الصلة بالمناخ والموارد الطبيعية. كما دعا إلى ترسيخ فعل شبابي مستدام داخل مؤسسات الشباب، من خلال إنشاء نوادٍ بيئية وتكثيف المبادرات الميدانية، بما يحوّل الوعي البيئي إلى ممارسة يومية وثقافة مجتمعية متجذرة.
وعكست فعاليات الافتتاح هذا التوجه العملي، من خلال تكريم الوفود المشاركة في بادرة تعكس روح التضامن المغاربي، إلى جانب توزيع تجهيزات تكنولوجية متقدمة لفائدة مؤسسات الشباب، شملت فضاءات الأنشطة العصرية والذكاء الاصطناعي، وكذا طابعات ثلاثية الأبعاد، في خطوة ترمي إلى ربط الابتكار التكنولوجي بالتحديات البيئية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب لتطوير حلول مستدامة.
النقاشات الفكرية لم تكن غائبة عن المشهد، حيث احتضنت التظاهرة جلستين حواريتين رفيعتي المستوى تناولتا التحديات البيئية في الفضاء المغاربي وآفاق التعاون الإقليمي في مجال التنمية المستدامة. وأجمع المتدخلون على أن مواجهة التغيرات المناخية تقتضي بناء شراكات عابرة للحدود، قائمة على تبادل الخبرات وتكامل الجهود، مع تمكين الشباب من لعب دور محوري في صياغة حلول مبتكرة وقابلة للتطبيق.
وفي محطتها الثانية، انتقلت التظاهرة إلى بعدها التطبيقي، حيث أشرف الوزير رفقة والي الولاية، بحديقة بحيرة الطيور، على إطلاق ورشات عمل متوازية عكست بوضوح روح المبادرة الميدانية. وشملت هذه الورشات مجالات الرسكلة وإعادة التدوير، واستغلال الطاقات المتجددة، إلى جانب إعداد توصيات عملية تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي وترسيخ ممارسات مستدامة على المستوى المحلي.
كما تميزت الفعاليات بإطلاق حملات تحسيسية متعددة الأبعاد، لم تقتصر على القضايا البيئية فحسب، بل شملت أيضا التوعية بحماية الموارد المائية، ومخاطر التدخين والمخدرات، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، في مقاربة شاملة تعكس إدراكا عميقا لترابط التحديات التي تواجه الشباب اليوم، وتؤسس لبناء وعي مسؤول ومندمج.
وسجلت التظاهرة حضورا رسميا لافتا، ضم رئيس المجلس الشعبي الولائي، وأعضاء اللجنة الأمنية، وممثلي الأسرة الثورية، ورئيس دائرة بوثلجة، ورؤساء المجالس الشعبية البلدية لكل من بحيرة الطيور وشيحاني، إلى جانب المندوب المحلي لوسيط الجمهورية، ومديرة الشباب والرياضة، وأعضاء من المجلس الأعلى للشباب، فضلا عن إطارات من مختلف القطاعات وممثلي وسائل الإعلام.
وفي سياق البرنامج الوطني العام، تكتسي هذه التظاهرة بعدا استراتيجيا يتجاوز بعدها المحلي، إذ تمثل الإطلاق الرسمي للتظاهرة الوطنية الربيعية للشباب لسنة 2026، المنظمة تحت شعار: «الشباب في حركية… من أجل تعزيز الجبهة الداخلية». وتستهل هذه الديناميكية الوطنية ببعد مغاربي واضح من خلال احتضان اللقاء الإقليمي للشباب حول البيئة والتغيرات المناخية، بمشاركة وفود من تونس وليبيا وموريتانيا والصحراء الغربية، في خطوة تعكس توجها نحو بناء فضاء شبابي مغاربي متكامل.
وتراهن وزارة الشباب، من خلال هذا البرنامج الممتد بين مارس وأفريل 2026، على إشراك ما يقارب 74,700 مستفيد عبر مختلف ولايات الوطن، موزعين على محاور كبرى تشمل برنامج القادة الشباب (1000 مستفيد)، وبرنامج تنقل الشباب (500 مستفيد)، إلى جانب المهرجانات الوطنية التي تستقطب أزيد من 13,200 مشارك، فضلا عن الأنشطة الجوارية التي تستهدف نحو 60,000 شاب عبر التراب الوطني. كما يرتكز هذا التوجه على دعم مؤسسات الشباب بتجهيزات حديثة، وفتح فضاءات للحوار والتشاور، بما يمكّن الشباب من الإسهام في صياغة الرؤى الوطنية وتعزيز ثقافة المواطنة الفاعلة.
بهذا الزخم، لا تكتفي الطارف باحتضان حدث شبابي عابر، بل تؤسس لنموذج مغاربي ناشئ قوامه الاستثمار في الإنسان، وتحديدا في طاقات الشباب، باعتبارهم الفاعل الأبرز في معادلة المستقبل. نموذج يضع البيئة في صلب التنمية، ويجعل من الاقتصاد الأخضر خيارا استراتيجيا، ومن التعاون الإقليمي ضرورة حتمية لمواجهة تحديات تتجاوز الحدود وتفرض حلولا جماعية مبتكرة.

Views: 11

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

spot_img

الاخبار الشائعة