في إطار مساعي الحفاظ على الذاكرة الوطنية وصون تاريخ الثورة التحريرية المجيدة، يواصل المتحف الولائي للمجاهد بالطارف أداء رسالته في جمع وتوثيق مختلف الشواهد التاريخية، وتحويلها إلى مادة محفوظة للأجيال، من خلال تسجيل الشهادات الحية وجمع الصور والوثائق والأشياء المتحفية المرتبطة بتاريخ المنطقة والثورة الجزائرية.
وخلال زيارة ميدانية قادتنا إلى المتحف، وقفنا على حجم الرصيد التاريخي الذي يزخر به، كما التقينا بالسيد عزيز عوفي، مدير المتحف الولائي للمجاهد بالطارف، الذي قدم لنا عرضاً حول أهم الجهود المبذولة في مجال جمع المادة التاريخية وتوثيقها، لاسيما الشهادات الحية التي تمثل أحد أهم مصادر كتابة التاريخ.
وأوضح مدير المتحف أن عملية جمع الشهادات وتسجيلها تمثل محوراً أساسياً في العمل التوثيقي، مشيراً إلى أن الحجم الساعي لهذه الشهادات تجاوز، منذ تدشين المتحف وإلى غاية شهر أوت 2026، 410 ساعات، وهو رصيد اعتبره المتحف ثروة تاريخية وإنسانية ينبغي الحفاظ عليها، لما تحمله من شهادات مباشرة حول أحداث الثورة ومسيرة المجاهدين والسكان خلال تلك المرحلة.
وتكتسي هذه الشهادات أهمية خاصة، كونها تنقل تفاصيل من الذاكرة الشفوية لأشخاص عايشوا الأحداث أو كانوا قريبين منها، بما يسمح بتثبيت الوقائع وحفظها من الاندثار، خاصة وأن مرور السنوات يجعل عملية جمع هذه الشهادات أكثر إلحاحاً.
ولا تقتصر جهود المتحف على التسجيلات الصوتية والمرئية، إذ يحتفظ أيضاً برصيد هام من الصور والوثائق التاريخية والأشياء المتحفية التي تشكل شواهد مادية على مختلف مراحل الكفاح الوطني. وتساهم هذه المقتنيات في منح الزائر صورة أقرب عن ظروف الثورة وحياة المجاهدين والسكان خلال تلك الفترة.
ومن خلال جولتنا داخل أروقة المتحف، بدا واضحاً أن المكان يتجاوز مفهوم قاعة العرض التقليدية، ليشكل فضاءً لحفظ الذاكرة ونقل المعرفة التاريخية، خاصة لفائدة الأجيال الشابة التي تجد في الصور والوثائق والشهادات وسيلة مباشرة للتعرف على تاريخ الثورة ورموزها وتضحيات أبنائها.
وفي السياق ذاته، يواصل المتحف تنظيم مختلف النشاطات ذات الطابع التاريخي والثقافي، من ندوات وموائد مستديرة وملتقيات ومعارض متنقلة للصور التاريخية، خصوصاً بمناسبة الأعياد والمناسبات الوطنية، إلى جانب إعداد النشريات والمطويات التي تساهم في التعريف بالمحطات التاريخية وترسيخ ثقافة الذاكرة لدى مختلف فئات المجتمع.
أما على مستوى استقبال الجمهور، فقد بلغ عدد زوار المتحف خلال النصف الأول من سنة 2026 نحو 1400 زائر، وهو ما يعكس استمرار الاهتمام بالمؤسسة وبما توفره من مادة تاريخية، لاسيما لدى الطلبة والباحثين والمهتمين بتاريخ الثورة والمنطقة.
وتبرز زيارة المتحف الولائي للمجاهد بالطارف أن معركة الحفاظ على الذاكرة لا تقل أهمية عن جمع المقتنيات ذاتها، فكل شهادة مسجلة، وكل وثيقة محفوظة، وكل صورة مؤرشفة، تمثل جزءاً من رواية وطنية يتعين نقلها بأمانة إلى الأجيال القادمة.
وبين رصيد تاريخي متنوع، وشهادات حية تجاوزت 410 ساعات، ونشاطات متواصلة لاستقطاب الجمهور، يواصل متحف المجاهد بالطارف أداء مهمته في حفظ الذاكرة قبل أن تصبح بعض تفاصيلها في طي النسيان، وربط حاضر الأجيال بتاريخ صنعه رجال ونساء دفعوا ثمناً غالياً من أجل استقلال الجزائر.
Views: 14

