للإطلاع على نص كلمة السيد الوزير:
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبيّه الصادق الأمين
السيد مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالمديرية العامة للاتصال،
أصحاب المعالي الوزراء،
أصحاب السعادة السفراء،
السيدات والسادة رؤساء المؤسسات والهيئات الوطنية،
السيدات والسادة ممثلو أسرة الإعلام الوطنية والدولية،
الحضور الكريم،
أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم بمقر وزارة الشؤون الخارجية وشكراً جزيلاً لكم جميعاً لِتَكَرُّمِكم بتلبية دعوتِنا للحضور والمشاركة في هذا اللقاء الإعلامي المتجدد.
منذ ثلاثة أيام خلت، أُسْدِلَ الستار على الطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية، وهي الطبعة التي استضافتها الجزائر من الرابع إلى العاشر من هذا الشهر، بكل فخر واعتزاز، وبكل نجاح وتألق.
إن مبادرة الجزائر باستضافة هذا الحدث القاري اللافت لم تكن مَحْضَ صُدْفَةٍ عابرة ولا نِتاجَ عوامل عَرَضِيَّة أو إجرائية، بل كانت قرارا مدروساً، قراراً محسوباً، وقراراً استشرافياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. قرارٌ تم اتخاذه بناءً على ثلاث منطلقات رئيسية:
المنطلق الأول: وهو أن احتضان الجزائر لهذا المعرض هو وليد إصرار السيد رئيس الجمهورية على الدفع بالجزائر نحو تحمل مسؤولياتِها وتبوءِ مكانتِها في إنجاح النهضة الاقتصادية الشاملة التي جعلت منها قارتُنا مشروعاً حيوياً في ظرف دولي لا يَرْفُقُ بالضعيف ولا يَشْفَعُ للمتخاذل أو المتقاعس.
المنطلق الثاني: وهو أن احتضان الجزائر لهذا المعرض يقع في صلب قناعة السيد رئيس الجمهورية بأن التنمية هي مِفتاحٌ من مَفَاتِيحِ استتبابِ الأمن والاستقرار والطمأنينة في قارتنا. فالحروب والحرمان والتخلف ليست بِالقَدَرِ المحتوم على إفريقيا، وإنما هي معضلاتٌ قابلة للحل إذا ما توفرت الإرادة السياسية الجماعية، وإذا ما تمت تعبئة كل الطاقات والموارد المتاحة، وإذا ما توفرت كل الأدوات والآليات الضرورية.
أما المنطلق الثالث والأخير لاحتضان بلادنا لهذا المعرض فهو نتاج إرادة السيد رئيس الجمهورية في إِمَاطَةِ اللثام عن مقومات التعاون والشراكة بين الدول الإفريقية، تجارةً واستثماراً، وكذا إعطاءِ نَفَسٍ أطول وحَرَكِيةٍ أقوى للمسارِ التأسيسي للنهضة الاقتصادية الإفريقية.
من هذا المنظور، فإن الطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية لم تكن مجرد تظاهرةٍ اقتصادية محدودة المحتوى والنطاق، بل كانت بحق استحقاقاً قارياً لتجديد الالتزام:
تجديد الالتزام بالنهج الاقتصادي التكاملي على الصعيد الإفريقي الشامل،
وتجديد الالتزام بتوفير مقومات وركائز السيادة الاقتصادية الإفريقية الأصيلة،
وتجديد الالتزام بالعمل على افتكاك قارتنا الإفريقية للمكانة اللائقة بها على الساحة الدولية.
فإفريقيا اليوم لم تعد تَسْتَكِينُ للأمر الواقع الدولي كقضاءٍ لا مَرَدَّ له، ولم تعد تَتَهَاوَنُ في طرح مَطالِبِها بكل وضوح ومسؤولية. وقد تَبَنَّتْ، في سبيل هذا المُرَادِ الأسمى، استراتيجيةً كاملة ومتكاملة:
إفريقيا اليوم لم تعد ترضى بالأدوار الثانوية والهامشية المُصَاغَةِ لها، لا في منظمة التجارة العالمية، ولا في صندوق النقد الدولي، ولا في البنك العالمي.
وإفريقيا اليوم تسعى للخروج من دائرةِ المُتَلَقِّي الذي يَتَلَقَّفُ ما يَجُودُ به المانحون، والانتقال لبناء شراكاتٍ متوازنة، شراكات قائمة على الندية في التعامل، وشراكات يتساوى فيها احترامُ المصالح، وشراكات مبنية على تقاسم المنافع والفوائد.
وإفريقيا اليوم قد أخذت على عاتِقها توفيرَ عواملِ نهضتِها الاقتصادية المنشودة اعتماداً على ذاتها الجماعية عوضاً عن تسليمِ أمرِها لغيرها.
ومربطُ الفرس هنا، أن إفريقيا قد أدركت وَتَيَقَّنَتْ أن الظرف الدولي الراهن، على مُعاكستِه لطموحاتِها وتطلعاتِها، فإنه في الوقت ذاته يُحَفِّزُهَا على تَدَارُكِ مَوَاطِنِ ضُعفها واستدراكِ ما فَاتَهَا من جهودٍ ومساعٍ لبناء ذاتِها بذاتِها. وعملاً بهذه القناعة، فقد أفضت جهود القارة إلى نتائج معتبرة على ثلاث مستويات رئيسية. ويتعلق الأمر:
أولاً، بافتكاك الاتحاد الإفريقي مؤخراً للعضوية الكاملة والدائمة في مجموعة العشرين، وهي المجموعة التي تُعَدُّ من أبرز التكتلات الدولية المُساهمة في صنع القرار الاقتصادي الدولي.
ثانياً، بناءُ شبكة واسعة من الشَرَاكَاتِ المؤسساتية مع أقوى الاقتصادات العالمية وأبرز المنظمات الدولية، وهي الشراكات التي ارتأى الاتحاد الإفريقي إخضاعَها للتقييم الدوري والمنتظم. فَبناء هذه الشراكات لم يعد غايةً في حد ذاتها، بقدر ما هو وسيلة يُنتظرُ منها تقديمُ إضافةٍ نوعية للنهضة الإفريقية، على شاكلة الشراكة الإفريقية-الايطالية التي تمخضت عنها استثمارات استراتيجية في قطاعات حيوية ضمن ما صار يعرف بخطة “ماتيي”.
ثالثاً وأخيراً، تدارك التأخر الذي عرفته القارة الإفريقية من ناحية وضع الأطر القانونية اللازمة، وإرساء الهياكل المؤسساتية الضرورية، التجارية منها والمالية. ومن هنا جاء تفعيل منطقة التجارة الحرة الإفريقية وتعزيز مكانة البنوك القارية، على غرار البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، وكذا البنك الإفريقي للتنمية.
هذا هو السياق العام الذي التأمت في ظِلِّهِ الدورة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية. وهذه هي الصورة الشاملة التي لا ينبغي أن تَغِيبَ عن الأذهان ونحن نتحدث عن أهداف ومقاصد هذه الطبعة. وهذا هو المشهد الكلي الذي يجب أن نَسْتَنِيرَ به، ونحن نستعرض مَلاَمِحَ هذه التظاهرة وما أفضت إليه من نتائجَ ومخرجاتْ.
وليس من قبيل المغالاة في مدح الذات، ولا الإفراط في تزيين الواقع، الجزم أن هذه الطبعة قد حققت نجاحاً كاملاً ومكتمل الأركان. نجاحٌ بشهادة جميع المؤسسات القارية التي شَارَكَتْنَا تنظيمَ هذه الدورة. ونجاحٌ باعتراف جميع الممثلين الرسميين الذين شَرَّفُونَا بحضورهم. ونجاحٌ بتأييد جميع المشاركين في هذه الطبعة من عارضين وزوار ومتعاملين اقتصاديين.
وأعتقد بكل أمانة وإخلاص، أنه ليس أَدَلَّ ولا أَبْلَغَ على هذا النجاح من لغة الأرقام. فلغة الأرقام هي الشاهد الأمين الذي يَنْطِقُ دون مجاملة، ودون تزييف، ودون تحريف. ولغة الأرقام تؤكد أن نتائج هذه الطبعة هي نتائج متميزة، نتائج قياسية، ونتائج غَيْرُ مسبوقة.
ففيما يتعلق، أولاً، بمستوى المشاركة الرسمية، وبدعوة من السيد رئيس الجمهورية، شهدت هذه الطبعة مشاركةَ قادةِ الدول التالية: تونس، ليبيا، موريتانيا، الجمهورية الصحراوية، تشاد، موزمبيق، غرينادا، بربادوس، وسانت كيتس ونيفيس، إضافةً إلى الرئيسين السابقين لِكُلٍّ من نيجيريا والنيجر، وكذا نائبي رئيسي كُلٍّ من ناميبيا وكينيا، والوزير الأول لجمهورية بوروندي.
كما شارك أكثرُ من أربعين وزيراً مكلفاً بقطاعي التجارة والصناعة، فضلاً عن ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية، وكذا عددٍ من الشخصيات الإفريقية البارزة.
وفيما يتعلق، ثانياً، بعدد الدول المشاركة في المعرض، فقد بلغ عدد الدول المشاركة بأجنحةٍ خاصةٍ بها في المعرض: 49 دولة إفريقية و21 دولة من خارج القارة. أما إجمالي عدد الدول المُمَثلة في المعرض، سواء من خلال أجنحة خاصة بها أو دون ذلك، فقد بلغ: 132 دولة.
وفيما يتعلق، ثالثاً،بعدد الزوار والعارضين، فقد سجّلت هذه الطبعة عدداً إجمالياً قدره 112476 زائراً، منهم 60650 زائر حضروا شخصياً و51826 شاركوا عن بُعد، وهي الأرقام التي فاقت بكثير توقعات المنظمين التي كانت في حدود 35 ألف زائر فقط. أمّا عدد العارضين فقد بلغ 2148 عارضاً، في حين كان الرقم المتوقع لا يتجاوز 2000 عارض.
وفيما يخص، رابعاً، إجمالي الصفقات المُبرَمَة، فقد حققت الطبعة الرابعة من المعرض الافريقي للتجارة البينية مستوى قياسيا، إذ تم توقيع عقود شراكة بقيمة إجمالية قدرها 48.3 مليار دولار أمريكي. كما تم تسجيل عَدَدٍ قياسي من المُشْتَرِين المِهَنِيّين بلغ 987 متعاملاً اقتصادياً، متجاوزاً الهدف الأصلي والمحدد بـ 750 متعاملاً اقتصادياً.
أما فيما يخص، خامساً وأخيراً، حصة الشركات والمؤسسات الجزائرية من إجمالي الصفقات المعقودة، فقد بلغت هذه الحصة مبلغاً قدره 11.4 مليار دولار أمريكي، وهو المبلغ الذي يمثل الصفقات المُبرمة، بمعنى الصفقات التي اكتملت إجراءاتُ التوقيعِ على العقود المتعلقة بها. ويُضافُ إلى هذا الرقم مبلغٌ آخر، ألا وهو مبلغ 11.6 مليار دولار، والذي يمثل بدوره قيمة الصفقات التي هي قيد الدراسة والتفاوض، أي النوايا التفاوضية.
وأعيد للتوضيح أنه وفيما يخص حصة الشركات والمؤسسات الجزائرية، فإن القيمة الإجمالية لهذه الحصة تُقَدَّرْ بــ23 مليار دولار أمريكي، وهي تتوزع على النحو التالي:
الصفقات المُبرمَة أو المُكْتَمِلة بقيمة 11.4 مليار دولار أمريكي.
والصفقات قيد الإنجاز أو التفاوض بقيمة 11.6 مليار دولار أمريكي.
وأود أن أؤكد هنا أن جميع هذه الأرقام وكل هذه الإحصائيات مُسْتَقَاةٌ من البنك الإفريقي للاستيراد والتصدير، بصفته الجهة الوحيدة المُخَوَّلة لتقديم الحصيلة الختامية للطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية.
ويُضاف إلى كل هذه النتائج، تأسيس صندوقٍ خاص لتمويل المؤسسات الناشئة والمُبْتَكِرَة في إفريقيا، بمبادرةٍ من السيد رئيس الجمهورية، وهي المبادرة التي تتوجه أساساً نحو الشباب الإفريقي بصفته الرافعة الرئيسية والحقيقية لنهضة إفريقيا ونُمُوِّها المُستدام.
ونحن نستعرض هذه الحصيلة، يجب ألا يخفى عن أذهاننا ما يكمن وراء الأرقام. فما يكمن وراء الأرقام هو في نَظَرِنَا الأجدر بالتقدير، والأجدر بالتثمين، والأجدر بالإشادة.
ما يكمن وراء هذه الأرقام يتمثل أولاً في أن إفريقيا قد استعادت زِمَامَ المبادرة، ولم تَعُدْ تعوّلُ على يد العون لتمتد إليها،
وما يكمن وراء هذه الأرقام يتمثل ثانياً في أن إفريقيا أصبحت تُتاجر مع إفريقيا وأن إفريقيا أصبحت تستثمر في إفريقيا،
وما يكمن وراء هذه الأرقام يتمثل ثالثاً وأخيراً في أن إفريقيا قد تَيَقَّنَتْ أن خَلاصَهَا مُرْتَبِطٌ بذاتِها، وأن قُوَّتَها تَنْبُعُ من داخلها، وأن المستقبل الذي تَتَطَلَّعُ إليه لا يمكن أن يكون إلاَّ من تدبيرِ عقول بناتِها وأبنائِها ومن صُنْعِ إرادتهم وسواعدهم.
ومجمل القول هنا، أن إفريقيا اليوم أمام منعطف مصيري لا ينبغي البتة أن تُفَوِّتَهُ على نفسها.
فإن كانت إفريقيا الأمس قد أُقصِيَتْ من الثورة الصناعية، وهي تَرْزَحُ تحت نِيرِ الاستعمار الذي غَيَّبَهَا من الوجود الدولي،
وإن كانت إفريقيا الأمس لم تأخذ نَصِيبَهَا كاملاً من الثورة المعلوماتية، وهي تُكابدُ رواسبَ الاستعمار التي أدخلتها في الصراعات والحروب،
فإن إفريقيا اليوم لا يحق لها بأي حال من الأحوال، وتحت أي ظرفٍ من الظروف، أن تبقى على قَارِعَةِ الثورات المَشْهُودَةِ راهناً في ميادين الرقمنة، والروبوتية، والنانوتكنولوجيا، وكذا الطاقات المتجددة، وهي الثورات التي تُعِيدُ تشكيلَ ملامِحِ الاقتصادِ العالمي. إفريقيا التي نريد يجب أن تكون طرفاً فاعلاً في هذه الثورات حتى تَفْتَكَّ لذاتِها مكانةً دوليةً لائقة، مكانةٌ تضمنُ لها صوتاً مسموعاً، ودوراً مُؤَثِّراً، ومصالحَ محفوظةً ومُصانة.
شكراً على كرم الإصغاء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
Views: 120

