Homeالأخبارالذكاء الاصطناعي في مواجهة حروب الذاكرة: الطارف ترسم ملامح سيادة رقمية لحماية...

الذكاء الاصطناعي في مواجهة حروب الذاكرة: الطارف ترسم ملامح سيادة رقمية لحماية التراث

في زمن تتقاطع فيه الذاكرة مع الخوارزميات، وتُعاد فيه صياغة الهوية عبر الفضاء الرقمي، احتضنت ولاية الطارف شرق الجزائر واحدًا من أبرز الملتقيات الفكرية التي تضع التراث في قلب التحولات التكنولوجية الراهنة، وذلك بمناسبة إحياء شهر التراث الممتد من 18 أفريل إلى 18 ماي، تحت شعار: “تراثنا.. حضارتنا”.
شهدت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الطارف، على مدار يومي 29 و30 أفريل 2026، فعاليات ملتقى وطني نوعي حمل عنوانًا لافتًا: “الذكاء الاصطناعي حامي التراث وحارسه: استراتيجيات مواجهة التهديدات السيبرانية في ظل حروب الذاكرة في العصر الرقمي”، في طرح يعكس وعيًا متقدمًا بتحديات المرحلة، ويؤكد انتقال النقاش الثقافي من الحفظ التقليدي إلى الحماية الرقمية السيادية.
الملتقى، الذي نظمته المكتبة الرئيسية بالتنسيق مع دار الذكاء الاصطناعي بجامعة الشاذلي بن جديد – الطارف، والأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث (مكتب الطارف)، عرف حضورًا نوعيًا جمع بين صناع القرار والباحثين والأكاديميين وممثلي الأجهزة الأمنية، في مقاربة متعددة الأبعاد تمزج بين الثقافة والتكنولوجيا والأمن.
وقد أشرف على افتتاح التظاهرة كل من مدير الثقافة والفنون لولاية الطارف، السيد عز الدين عبد القادر، ومدير المكتبة الرئيسية السيد دويم إبراهيم، إلى جانب البروفيسور عبد المجيد بن مشيش، مدير دار الذكاء الاصطناعي، الذين أكدوا في كلماتهم الافتتاحية على أهمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية لحماية التراث الوطني من التهديدات الرقمية المتنامية.
وفي مداخلة لافتة، شدد البروفيسور عبد المجيد بن مشيش على ضرورة إنشاء منصة رقمية وطنية متكاملة تُعنى بجمع ورقمنة وتثمين التراث المادي واللامادي، معتبرًا أن “المعركة الحقيقية اليوم لم تعد فقط حول الأرض، بل حول الذاكرة والتمثلات الرقمية للأمم”.
وقد تميزت أشغال اليوم الثاني بجلسة علمية ترأسها الدكتور لمين هماش، عرفت تقديم مداخلات معمقة من طرف نخبة من الباحثين، من بينهم الدكتور عبد الرزاق بوسمينة، الدكتورة وهيبة شرقية، الدكتورة رجاء لعابنية، والدكتورة بوخاري أم هاني، حيث تم تناول محاور دقيقة تتعلق بأمن البيانات التراثية، وآليات الحماية السيبرانية، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في توثيق الموروث الثقافي.
كما شكل عرض شريط وثائقي حول جهود المكتبة الرئيسية في استرجاع المخطوطات النادرة بولاية الطارف ورقمنتها، محطة بارزة عكست عمق العمل الميداني المبذول في سبيل صون الذاكرة المحلية وربطها بالمنصات الرقمية الحديثة.
ولم تغب المقاربة الأمنية عن النقاش، حيث شارك ممثلون عن المصالح المختصة في تأطير جانب من المداخلات، مؤكدين أن حماية التراث في العصر الرقمي باتت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، في ظل تصاعد ما يُعرف بـ”حروب الذاكرة” واستهداف الهويات الثقافية عبر الفضاء السيبراني.
واختُتمت فعاليات الملتقى بعرض جملة من التوصيات الاستراتيجية التي تلاها رئيس الملتقى، البروفيسور كمال بطوش، والتي دعت في مجملها إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الثقافية والبحثية والأمنية، وتسريع وتيرة الرقمنة، وتطوير تشريعات وطنية تواكب التحولات الرقمية المتسارعة.
كما تم تكريم المشاركين تقديرًا لإسهاماتهم العلمية والفكرية، في خطوة عكست روح الاعتراف بالكفاءات الوطنية ودورها في حماية الموروث الحضاري.
بين الذاكرة والرقمنة… معركة سيادة هذا الملتقى لم يكن مجرد حدث أكاديمي عابر، بل شكل منصة فكرية استراتيجية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن التراث لم يعد حبيس الأرشيفات، بل أصبح في قلب رهانات السيادة الرقمية، حيث تتقاطع الثقافة مع الأمن، والتاريخ مع التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، تبرز الجزائر، من خلال مثل هذه المبادرات، كفاعل يسعى إلى إعادة تموقع تراثه ضمن الفضاء الرقمي العالمي، ليس فقط للحفظ، بل للدفاع عنه في عالم تتسارع فيه محاولات الطمس وإعادة التشكيل.
بهذا الطرح العميق، يفتح ملتقى الطارف أفقًا جديدًا لنقاش عالمي حول مستقبل التراث في عصر الذكاء الاصطناعي، ويؤكد أن حماية الذاكرة لم تعد خيارًا ثقافيًا فحسب، بل ضرورة سيادية بامتياز.

Views: 19

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

spot_img

الاخبار الشائعة