نحيي اليوم، بكل إجلال واعتزاز، ذكرى مظاهرات 17 أكتوبر 1961، التي تزامن تنظيمها آنذاك مع منعطف حاسم ومصيري من مسار ثورتنا المجيدة، حيث خرج آلاف الجزائريين بباريس في مسيرة سلمية للتعبير عن تمسّكهم المطلق بحقهم في الحرية والاستقلال، والتفافهم الصادق حول جبهة التحرير الوطني ودعم كفاح إخوانهم في أرض الوطن، فواجهت السلطات الفرنسية تلك المسيرة السلمية بقمع وحشي شديد خلّف أعداداً غفيرة من الشهداء والضحايا والجرحى والمعتقلين.
وقد أصبحت هذه الذكرى محطة راسخة في الذاكرة الوطنية، وشاهدًا حيًا على إسهام المهاجرين الجزائريين البواسل في مسيرة التحرر الوطني، وعلى ما تحمّلوه من معاناة وتضحيات جسام وهم بعيدون عن أرض الوطن
إن استحضار هذه الصفحة الناصعة من تاريخنا هو محطة متجددة لاستلهام معاني الوفاء والانتماء والمسؤولية.
فكما كانت الجالية بالأمس سندًا منيعًا لقضية الوطن، فإن الجزائر وهي تنعم بالاستقلال والسيادة، تنتظر منها اليوم أن تواصل أداء دورها الريادي في خدمة الوطن، كلٌّ من موقعه، من خلال الحفاظ على صلة الأجيال الناشئة بوطنها الأم، وتعزيز الهوية الوطنية، والإسهام الفعّال في مسار التنمية، ونقل الخبرات والكفاءات العلمية، والدفاع عن صورة الجزائر ومصالحها العليا في البلدان التي يقيمون بها.
وفي المقابل، فإن الوفاء لهذه الجالية يجسده بوضوح مواصلة الدولة الجزائرية لجهودها الحثيثة من أجل التكفل الأمثل بانشغالات أبنائها في الخارج، وتيسير معاملاتهم الإدارية، وحماية مصالحهم، وتعزيز قنوات التواصل المؤسسي معهم، والاستماع إلى تطلعاتهم، وفتح آفاق أوسع للمشاركة والإسهام في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة، فالجالية تمثل رصيدًا بشريًا وعلميًا واقتصاديًا وثقافيًا استراتيجيًا، وجسرًا متينًا يربط الجزائر بالعالم.
إن الجزائر التي تستحضر اليوم ببالغ الفخر تضحيات مهاجريها بالأمس، تبني اليوم، تحت القيادة الرشيدة لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، علاقة متجددة وواثقة مع جاليتها قوامها الثقة المتبادلة والاحترام والتواصل المستمر.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى حزمة الإجراءات والتدابير الملموسة المتخذة في هذا المجال، ففي ملف الذاكرة أقر السيد الرئيس بموجب مرسوم رئاسي ترسيم الوقوف دقيقة صمت تخليداً لضحايا مجزرة السابع عشر اكتوبر في مثل هذا التوقيت من كل عام، كما تم إنجاز خطوات متقدمة لرقمنة العديد من الخدمات وتقريبها أكثر من الجالية، تشمل التقاعد والسكن، إلى جانب التكفل بتنظيم المخيمات الصيفية لأبناء الجالية، وفي مجال الاستثمار في العنصر البشري بادر السيد رئيس الجمهورية بإنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، وتوسيع تمثيل الجالية في المجلس الشعبي الوطني وغيرها من آليات الدعم والتحفيز.
كما أن أبناء الجزائر الأوفياء في المهجر مدعوون اليوم لجعل ارتباطهم بالوطن ارتباطًا حيًا وفاعلًا، يتجسد في العمل الجاد، والعطاء المستمر، ونقل المعرفة، والاستثمار والمبادرة، وغرس حب الجزائر في نفوس الأجيال الجديدة.
وفي هذه الذكرى، نترحم بخشوع على أرواح شهداء ومجاهدي ثورتنا المجيدة الذين قضوا نحبهم، ونخصّ بالذكر والوفاء ضحايا مظاهرات 17 أكتوبر 1961، كما نُحيي كل من أسهم، بالأمس واليوم، في صون الذاكرة الوطنية وخدمة الجزائر ورفعة شأنها.
ونتوجه بتحية خاصة للمجاهدين والمجاهدات الذين ننعم بتواجدهم بيننا سائلة الله أن يمتعهم بالصحة والعافية.
رحم الله شهداء الجزائر الأبرار، وحفظ وطننا العزيز، ووفّق أبناءه في الداخل والخارج إلى مواصلة مسيرة البناء والعطاء والوفاء.
Views: 1

